محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

168

الآداب الشرعية والمنح المرعية

المتوفي في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة قال : أنشدني : أخي لن تنال العلم إلا بستة * سأنبيك عن مكنونها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة * وإرشاد أستاذ وطول زمان قال وأنشدني رحمه اللّه تعالى : تمنيت أن تمسي فقيها مناظرا * عناء والجنون فنون وليس اكتساب المال دون مشقة * تلقيتها فالعلم كيف يكون ؟ قال ابن الجوزي ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق ، والعاشق ينبغي أن يصبر على المكاره . ومن ضرورة المتشاغل به البعد عن الكسب وقد فقد التفقد لهم من الأمراء ومن الأخوان ، ولازمهم الفقر ، والفضائل ينادي عليها : هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [ سورة الأحزاب : الآية 10 ] . فلما أجابت مرارة الابتلاء قالت : لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ثم ذكر الإمام أحمد رضي اللّه عنه وشأنه وقال : فما شاع له الذكر الجميل جزافا ، ولا ترددت الأقدام إلى قبره إلا لمعنى عجيب ، فيا له ثناء ملأ الآفاق وجمالا زين الوجود ، وعزا نسخ كل ذل ، هذا في العاجل ، وثواب الآجل لا يوصف ، وتلمح قبور أكثر العلماء لا تعرف ولا تزار ، ترخصوا وتأولوا وخالطوا السلاطين فذهبت بركة العلم ومحي الجاه ، ووردوا عند الموت حياض الندم ، فيا لها حسرات لا تتلاقى ، وخسرانا لا ينجبر ، كانت صحبة اللذات كطرفة عين ولازم الأسف دائما . وقد قال الشافعي رضي اللّه عنه : يا نفس ما هو إلا صبر أيام * كأنّ مدتها أضغاث أحلام يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة * وخلّ عنها فإنّ العيش قدّامي ثم أيها العالم الفقير أيسرك ملك سلطان من السلاطين وأن ما تعلمه من العلم لا تعلمه ؟ كلا ، ما أظن المتيقظ يؤثر هذا ، ثم أنت إذا وقع لك خاطر مستحسن أو معنى عجيب تجد لذة لا يجدها ملتذ باللذات الحسية ، فقد حرم من رزق اللذات الحسية ما قد رزقت . وقد شاركتهم في قوام العيش ولم يبق إلا الفضول التي إذا حذفت لم تكد تضر ، ثم هي على المخاطرة في باب الآخرة غالبا وأنت على السلامة في الأغلب . فتلمح يا أخي عواقب الأحوال ، واقمع الكسل المثبط عن الفضائل ، واعلم أن الفضائل لا تنال بالهوينا ، فبارك اللّه لأهل الدنيا في دنياهم ، فنحن الأغنياء وهم الفقراء . فإن عمروا دارا سخروا الفعلة ، وإن جمعوا مالا فمن وجوه لا تصلح ، وكل واحد منهم يخاف أن يقتل أو يعزل أو يسم ، فعيشهم نغص ، العز في